ابن ميثم البحراني

125

شرح نهج البلاغة

لا شكّ في نزولها ، كي يسارعوا إلى حفظها والإحاطة بها رغبة في تلك المحمدة ، وبيّن بقوله : لا يتأخّرون عنها . إلى قوله : فيفردوها . معنى التخلية الَّتي نهاهم عنها ، وقوله : فيسلموها ويفردوها . نصب الفعلان بإضمار أن عقيب الفاء في جواب النفي . التاسع : قوله : أجزء امرؤ قرنه . العاشر : آسى أخاه بنفسه فعلان ماضيان في معنى الأمر ، والتقدير وليجزي امرؤ قرنه وهو خصمه وكفوه في الحرب : أي لتقاومه وليواس أخاه بنفسه في الذبّ عنه ولا يفرّ من قرنه اعتمادا على أخيه في دفعه فيجتمع على أخيه قرنه وقرن أخيه . ثم ذكَّرهم عدم الفائدة في الفرار . إذ كانت غاية الفرار السلامة من الموت وهو لا بدّ منه كقوله تعالى « قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً » ( 1 ) واستعار لفظ سيف الآخرة للموت . ووجه المشابهة كونهما مبطلين للحياة . وإنّما كان سيف الآخرة لأنّها غايته . ثمّ مدحهم بأوصاف يستقبح معها الفرار ، وهى كونهم أجود العرب والسنام الأعظم ، واستعار لهم لفظ السنام لمشاركتهم إيّاه في العلوّ والرفعة . ثمّ أكَّد تقبيح الفرار بذكر معايبه ، وأنّه لا فائدة فيه أيضا : أمّا معايبه فكونه يستلزم غضب اللَّه فإنّ الفارّ من الجهاد في سبيله عاص لأمره والعاصي له مستحقّ لغضبه وعقابه . ثمّ كونه مستلزما للذّل اللازم والعار الباقي في الأعقاب وهو ظاهر ، وأمّا أنّه لا فائدة فيه فلأنّ الفارّ لا يزاد في عمره لفراره . إذ علمنا أنّه بفراره لم يبلغ إلَّا أجله المكتوب له فكان بقائه في مدّة الفرار من عمره لا زيادة فيه وإنّ له يوما في القضاء الإلهيّ لا يحجز بينه وبينه فرار . وفيه تخويف بالموت . وقوله : رائح إلى اللَّه كالظمآن يرد الماء . استفهام عمّن يسلك سبيل اللَّه ويروح إليه كما يروح الظمآن استفهاما على سبيل العرض لذلك الرواح ، ووجه الشبه القوّة في السير والسعي الحثيث ، وأشار بقوله : الجنّة تحت أطراف العوالي . إلى أنّ مطلوبه الرواح إلى اللَّه بالجهاد وجذب إليه بذكر الجنّة ، وخصّها بجهة تحت لأنّ دخول الجنّة غاية من الحركات بالرماح في سبيل اللَّه وتلك الحركات

--> ( 1 ) 33 - 16 .